أحمد بن محمد المقري التلمساني

158

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قطوفه لمجتنيه ، مع لوذعية تخالها جريالا « 1 » ، وسجية يختال فيها الفضل اختيالا ، وكان قد بعد عن أنسنا بحمص ، وانتضى من تلك القمص ، وكان بثغر الأشبونة فسدّه ، ولم ينفرج لنا من الأنس بعده ما يسدّ مسده ، إلى أن صدر ، فأسرع إلينا وابتدر ، فالتقينا وبتنا ليلة نام عنها الدهر وغفل ، وقام لنا بما شئنا فيها وتكفل ، فبينا نحن نفضّ ختامها ، وننفض عنا غبار الوحشة وقتامها ، إذا أنا بابن لسان « 2 » هذا وقد دخل إذنه علينا فأمرناه بالنزول وتلقيناه بالترحيب « 3 » ، وأنزلناه بمكان من المسرة رحيب ، وسقيناه صغارا وكبارا ، وأريناه إعظاما وإكبارا ، فلما شرب ، طرب ، وكلما كرعها ، التحف السلوة وتدرعها ، وما زال يشرب أقداحا ، وينشد فينا أمداحا ، ويفدي بنفسه ، ويستهدي الاستزادة من أنسه ، فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع ، واجتلينا محاسنه كالصديع « 4 » ، وانفصلت ليلته عن أتم مسره ، وأعم مبره « 5 » ، وارتحل عثمان أعزه اللّه إلى ثغره ، وأقام به برهة من دهره ، فمشيت بها إليه مجدّدا عهدا ، ومتضلعا من مؤانسته شهدا ، فكتب ابن لسان « 6 » هذه القطعة من القصيدة يذهب إلى شكره ، ويجتهد في تجديد ذكره : [ البسيط ] ما شام إنسان إنسان كعثمان * ولا كبغيته من حسن إحسان بدر السّيادة يبدو في مطالعه * من المحاسن محفوفا بشهبان له التّمام وما بالأفق من قمر * متمّم دون أن يرمى بنقصان « 7 » به الشّبيبة تزهى من نضارتها * كما تساقط طلّ فوق بستان معصفر الحسن للأبصار ناصعه * كأنّه فضّة شيبت بعقيان نبّئت عنه بأنباء إذا نفحت * تعطّلت نفحات المسك والبان قامت عليه براهين تصدّقها * كالشّكل قام عليه كلّ برهان قد زادها ابن عبيد اللّه من وضح * ما زادت الشّمس نور الفجر للرّاني « 8 » بالله بلّغه تسليمي إذا بلغت * تلك الرّكاب وعجّل غير ليّان وليت أنّي لو شاهدت أنسكما * على كؤوس وطاسات وكيزان

--> ( 1 ) الجريال : الخمر . ( 2 ) في ب « ابن لبال » . ( 6 ) في ب « ابن لبال » . ( 3 ) في ب ، ه والمطمح « والتقيناه بترحيب » . ( 4 ) في أ « كالصريع » . والصديع : الصبح . ( 5 ) في ب « أتم مسرة وأعم مبرة » . ( 7 ) في المطمح « دون أن يزري بنقصان » . ( 8 ) الراني : الناظر ، من الفعل رنا يرنو .